يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

482

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

تقول العرب : ( في كل الشجر نار واستمجد المرخ والعفار ) يعني أن النار من الحطب وفيه ، إذا حك بعضه ببعض خرجت منه النار . وأما في هاتين الشجرتين : المرخ والعفار ؛ فكثير جدا أكثر من غيرهما ، لأنهما رخوان بمنزلة الطلح ، عندما يحكا يسرع خروج النار منهما ، وغيرهما أصلب فربما أبطأ ذلك . وقيل : العفار : الزند الأعلى ، والمرخ : الزند الأسفل ، فعرّض عليه الصلاة والسلام بذكر المجد كأنه قال : وأنت ربي تزيد من شئت وتكثر له ، وأنت مع ذلك المحمود لهذه النعمة وغيرها ، إذ لفظ حميد يقتضي ذلك . وقد يكون أيضا حميد بمعنى : حامد لأفعال من أطاعه ، فقد قيل ذلك . وأما المجيد : فقد قيل فيه : الكريم ، وقيل : الكثير الخير ، وهو راجع إلى هذا ، يقال : أمجدت للدابة العلف ؛ أي : أكثرته ، مع ما في ضمن المجد من الجلال والعظمة ، ولذلك قالوا : الماجد : الكثير الشرف . فتأدب نبينا عليه الصلاة والسلام مع أبيه إبراهيم عليه السلام وتواضع ، فرفعه اللّه وبلغه غاية الكرامة والشرف في الدنيا والآخرة وأوّل ذلك أن سماه محمدا ؛ مشتقا من اسمه تعالى الذي هو : الحميد ، كما هدي له الشاعر ، المجيد إذ يقول : وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وسماه أيضا أسماء كثيرة منها : أحمد وهو مذكور في القرآن مصرح بلفظه ، وكذلك محمد ، فأحمد : أفعل ؛ مبالغة من صفة الحمد ، ومحمد : مفعل ؛ مبالغة من كثرة الحمد ، فهو أجلّ من حمد ، وأفضل من حمد ، ومعه لواء الحمد ، وسيبعثه اللّه المقام المحمود ، ويفتح عليه محامد هناك لم يفتحها على أحد من خلقه ، وسمى أمته : الحمادين ، وأنزل عليه سورة الحمد ، وسنّ لنا أن نقول عند انقضاء الأمور : الحمد للّه رب العالمين ، كما يقوله أهل الجنة : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] ، وكذلك نقول نحن عند الفراغ من الأكل والشرب ، حتى عند الرجوع من السفر : آيبون تائبون لربنا حامدون ، إلى غير ذلك مما هو مذكور في الأخبار . قلت : وقد نالت بركة هذا الاسم من تسمى به ، حتى خرج البزار : إذا سميتم محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه . وفي رواية غيره : إذا سميتم محمدا فعظموه ووقروه وبجلوه ولا تذلوه ولا تحقروه . وقال : ما من مائدة وضعت وحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس اللّه ذلك المنزل في كل يوم مرتين . وفي حديث : من رزق بثلاثة من الولد فلم يسم أحدهم محمدا فهو من الجاهلين . وفي رواية : فقد جفاني . وأغرب من هذا ما روي عن اللّه عز وجل : إني أستحي أن أعذب بالنار من اسمه محمد على اسم حبيبي محمد .